الشيخ محمد الطاهر ابن عاشور

24

تفسير التحرير والتنوير ( تفسير ابن عاشور )

28 والإصحاح 30 ) ، فيكون العدول عن الإضمار إلى إظهار لفظ ( الكتاب ) لمجرد الاهتمام . ويجوز أن يكون الكتاب بعض كتبهم الدينية . فتعريف ( الكتاب ) تعريف الجنس وليس تعريف العهد الذكري ، إذ ليس هو الكتاب المذكور آنفا في قوله : وَآتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ [ الإسراء : 2 ] لأنه لما أظهر اسم الكتاب أشعر بأنه كتاب آخر من كتبهم ، وهو الأسفار المسماة بكتب الأنبياء : أشعياء ، وأرميا ، وحزقيال ، ودانيال ، وهي في الدرجة الثانية من التوراة . وكذلك كتاب النبي ملاخي . والإفساد مرتين ذكر في كتاب أشعياء وكتاب أرمياء . ففي كتاب أشعياء نذارات في الإصحاح الخامس والعاشر . وأولى المرتين مذكورة في كتاب أرمياء في الإصحاح الثاني والإصحاح الحادي والعشرين وغيرهما . وليس المراد بلفظ الكتاب كتابا واحدا فإن المفرد المعرف - بلام الجنس - يراد به المتعدد . وعن ابن عباس الكتاب أكثر من الكتب . ويجوز أن يراد بالكتاب التوراة وكتب الأنبياء ولذلك أيضا وقع بالإظهار دون الإضمار . وجملة لَتُفْسِدُنَّ فِي الْأَرْضِ مَرَّتَيْنِ - إلى قوله - حَصِيراً مبيّنة لجملة وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ . وأيّا ما كان فضمائر الخطاب في هذه الجملة مانعة من أن يكون المراد بالكتاب في قوله تعالى : وَقَضَيْنا إِلى بَنِي إِسْرائِيلَ فِي الْكِتابِ اللوح المحفوظ أو كتاب اللّه ، أي علمه . وهذه الآية تشير إلى حوادث عظيمة بين بني إسرائيل وأعدائهم من أمتين عظيمتين : حوادث بينهم وبين البابليين ، وحوادث بينهم وبين الرومانيين . فانقسمت بهذا الاعتبار إلى نوعين : نوع منهما تندرج فيه حوادثهم مع البابليين ، والنوع الآخر حوادثهم مع الرومانيين ، فعبر عن النوعين بمرتين لأن كل مرة منهما تحتوي على عدة ملاحم . فالمرة الأولى هي مجموع حوادث متسلسلة تسمى في التاريخ بالأسر البابلي وهي غزوات ( بختنصر ) ملك بابل وأشور بلاد أورشليم . والغزو الأول كان سنة 606 قبل المسيح ، أسر جماعات كثيرة من اليهود ويسمى الأسر الأول . ثم غزاهم أيضا غزوا يسمى الأسر الثاني ، وهو أعظم من الأول ، كان سنة 598 قبل المسيح ، وأسر ملك يهوذا وجمعا غفيرا من الإسرائيليين وأخذ الذهب الذي في هيكل سليمان وما فيه من الآنية